15 أبريل, 2009

( الربيع في وادي زيوانة )

( البوابة الهلنستية الشرقية بالمدينة الأثرية )


( الأوديون أو المسرح الغنائي بوسط المدينة الأثرة )




عصفور المقهى
قصة قصيرة
بقلم / عبدالله الشلماني

( إلى حمد بن رحومة )
( أخي الذي لم تلده أمي )


( 1 )

... طابورٌ طويلٌ من (( الخرّازين ))[1] السودانيين على الناصية قُبالة المقهى في ساحة سوق (( الجمهورية )) . كلٌ منهمكٌ في ما بين يديه من الأحذية البالية ، محاولاً إصلاح ما أفسده طول المسير . " القهواجي " المصري جالسٌ على صندوق مشروب " البيبسي " الفارغ أمام التلفاز ، يُشاهد موقعةً حامية الوطيس بين الأهلي والزمالك ، في انتظار زبون ربما يدخل طالباً شطيرة " دحي بالتن " ..

كلُ شيءٍ في المقهى يوحي بالعدم .. بالموت .. باللاروح .. جدران متصدعة أكلتها الرطوبة . مناضد ومقاعد بلاستيكية متناثرة بغيرما انتظام . أرضية صلدة من البلاط الخشن سيء الصنع . وبضع اسطوانات غازٍ فارغةً عند الزاوية خلف ضلفة الباب المعدني الصّدئ . وعلى ذات الضلفة من الخارج عبارة مكتوبةٌ هكذا باللهجة المصرية : " خود راحتك يازمن ". لاأثر للحياة هنا .. لانبض ..!. لاألوان ..!. لادفء ..!. الجماد لوحده هو العنوان الذي يختزل الحيِّز واللحظة في آن معاً ..


( 2 )


... فجأةً يتغير كل شيء .! تعود الألوان إلى الصورة الباهتة .. تبتسم الجمادات في المقهى .. ترتعش .. تسري فيها روحٌ خفيةٌ تكاد أن تجعلها تتنفس .. حتى أسلاك الكهرباء المتشابكة في فوضىً عارمة والمتدلية من مؤخرة السقف ، توشك أن تتحول إلى أغصان نضرة لعريشةٍ حُبلى بالعناقيد . كل هذا حدث أمامي في لحظةٍ واحدة . لحظةَ أن ولج إلى المقهى كائن صغير بحجم قبضة اليد .


( 3 )


هكذا هي بعض الكائنات .. تُحيل الجحيم إلى جنةٍ بمجرد حلولها فيه . والعكس صحيح .. " الفضيل بوراغب " ، ذلك العجوز من مدينة (( مطروح )) ، والذي عمل ردحاً من الزمن راعياً لقطيعنا , يعتبر من تلك الكائنات التي تبعث الحياة في الأشياء . في ذلك اليوم منذ أعوامٍ خلت رأيته يفعل ذلك .. يومها ، إستأجرنا شاحناتٍ مخصصةً لنقل المواشي لكي تنقُل قطيعنا إلى الصحراء الجنوبية . هرباً من صقيع شتاء الساحل وطلباً للكلأ في تلك التخوم .


حين وصلنا إلى هناك ، كانت جلبة نباح الكلاب ، وسِباب سائقي الشاحنات ، والإنهماك في إنزال النعاج والعلف والأمتعة ، والعكوف على بناء الخيمة الصغيرة ، كل ذلك ، شكَّل غلالة سرابية من الغفلة لم ننتبه معها إلى شيء . ولكن .. وفور مغادرة الشاحنات والفراغ من توظيب الأمتعة ، تلاشت تلك الغلالة كاشفةً لنا عن وجه الصحراء القبيح .. حيث أطبق الصمت .. والسكون .. مفسحاً المجال لنشيجٍ مفجعٍ للريح ..

.. الوجوم بدا على الجميع .. حتى النعاج والحملان ، بدا عليها الإحساس بالشجن والغربة ، فأخذت تحدق إلينا ناصبةً آذانها الصغيرة وهي تثغو باستجداءٍ يثير الشفقة . ومما زاد من وحشة المكان ، أُفول قرص الشمس إلى الأفق الغربي وراء التلال المجدبة ، فأضفت العتمة شيئاً من الرهبة على المشهد .. وفجأةً كما في المقهى ، تبدَّى لنا وجه " بوراغب " على وميض ألسنة اللهب .. التي انبثقت من نارٍ طفق يسجرها لإعداد الشاي ، بتجاعيده وابتسامته الودودة التي نادراً ما كانت تفارق مُحياه .

حول النار ، تحلقنا معه نتسامر و نحتسي كؤوس الشاي الأخضر " المنعنع " ونتجاذب أطراف الحديث .. عندها تغير كل شيء .. أُنسٌ غريب بدَّد مااعترانا من وجوم .. عندها فقط .. شعرنا أن الحياة قد عادت إلى الصحراء . وأن شيئاً من الأُلفة والحميمية معها بدأتا تأخذان مكان الرهبة والوحشة . وعندها فقط .. خالجنا إحساسٌ بأن الصحراء قد تبدّلت إلى مروجٍ بهيجةٍ تعبق بالأريج .


( 4 )


إن ذلك العصفور الصغير بحجم قبضة اليد ، والذي راح يزقزق ويتقافز على الأرضية الصلدة ، إستحال معه كل شيءٍ في المقهى إلى فرحٍ غامر . تماماً مثلما استحالت الصحراء مع " الفضيل بوراغب " . وليس ثمةَ من شكٍ أن تلك الصحراء قد رجعت مواتاً ويـباباً كمثل ماكانت عليه حين غاب عنها " بوراغب " منذ سنواتٍ عائداً إلى مطروح .. مبعثُ هذا اليقين عندي ، هو أنني قد رأيت كل شيءٍ في المقهى قد رجع إلى مثل ما كان عليه ، بمجرد أن طار عنه العصفور الصغير مرفرفاً إلى حيث الزُرقة والإتساع ..!!


* * *
الخرازين : بمعنى ( الإسكافيين ) . -1